محمد بن جرير الطبري
411
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان ، باتباعهم ما تلته الشياطين . * * * ولقول القائل : " هو يتلو كذا " في كلام العرب معنيان . أحدهما : الاتباع ، كما يقال : " تلوت فلانا " إذا مشيت خلفه وتبعت أثره ، كما قال جل ثناؤه : ( هُنَالِكَ تتلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ) [ يونس : 30 ] ، ( 1 ) يعني بذلك تتبع . والآخر : القراءة والدراسة ، كما تقول : " فلان يتلو القرآن " ، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه ، كما قال حسان بن ثابت : نبي يرى ما لا يرى الناس حوله . . . ويتلو كتاب الله في كل مشهد ( 2 ) ولم يخبرنا الله جل ثناؤه - بأي معنى " التلاوة " كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان - بخبر يقطع العذر . وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل ، ودارسته بالرواية . فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك ، وعملت به ، وروته . ( 3 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { مُلْكِ سُلَيْمَانَ } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( على ملك سليمان ) ، في ملك سليمان . وذلك أن العرب تضع " في " موضع " على " و " على " في موضع " في " .
--> ( 1 ) " هنالك تتلو " إحدى القراءتين ، والأخرى " هنالك تبلو " ، وهي التي في مصاحفنا اليوم وقال أبو جعفر في تفسيره 11 : 79 " إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكل منهما أئمة من القراء " . ( 2 ) ديوانه : 88 ، من أبيات قالها حسان في خبر أم معبد ، حين خرج رسول الله مهاجرا إلى المدينة . ورواية الديوان : " في كل مسجد " ، ورواية الطبري أمثل . ( 3 ) كان ينبغي أن يكون في هذا المكان تفسير قوله " ما تتلو " الذي سيأتي في : 418